السيد كمال الحيدري

70

شرح نهاية الحكمة (القوة والفعل والقدم والحدوث)

مقبولًا معيّناً ، فإنّ نطفة الإنسان تقبل الصورة الإنسانيّة فقط ولا تقبل الصورة الحماريّة مثلًا ، وإنّ نواة التفّاح لا تنتج إلّا شجرة التفّاح ، وبذرة الحنطة لا تعطي إلّا الحنطة ، فإذن لابدّ من ارتباط القابليّة والمقبوليّة بينهما في الخارج ، إذ لو لم يكن في الخارج ارتباط بين القابليّة ( نطفة الإنسان ) والمقبوليّة ( الصورة الإنسانيّة ) لكان حال نطفة الإنسان في الخارج بالنسبة إلى الصورة الإنسانيّة ، كحالها بالنسبة إلى الصورة الحماريّة . أي : إنّ هذين الحالين متساويان في عدم تحقّق ارتباط القابليّة والمقبوليّة في الخارج ، فلا مرجّح في الخارج أن تكون نطفة الإنسان قابلةً للصورة الإنسانيّة فقط ، فيجب حينئذٍ أن لا تقبل الصورة الإنسانيّة ، كما أنّها لا تقبل الصورة الحماريّة أو تقبل الصور الإنسانيّة ، لكن هذا التالي باطل ، لأنّ نطفة الإنسان تقبل الصورة الإنسانيّة فقط ، فكذا المقدّم ، فإذن ثبت أنّ نسبة القابليّة والمقبوليّة بين نطفة الإنسان والصورة الإنسانيّة مثلًا ، نسبة خارجيّة موجودة في وعاء الخارج ، وهو المطلوب « 1 » .

--> ( 1 ) أورد الشيخ مصباح اليزدي على الاستدلال بأنّ الإمكان الاستعداديّ أمرٌ وجوديّ في الخارج بقوله : « ويلاحظ عليه أوّلًا : أنّ نفي الاعتباريّة الجزافيّة عن النسبة المذكورة لا يعني كونها أمراً عينيّاً ، فليكن من الاعتبارات العقليّة الحاصلة من المقايسات والإضافات ، كما مرّ الكلام فيه مراراً . وثانياً : أنّ اتّصافها بالأوصاف الوجوديّة إنّما هو باعتبار تحقّق الشرايط وارتفاع الموانع واحداً بعد آخر ، كما ذكرنا في اتّصاف الإمكان الاستعداديّ بها ، فلا يدلّ على أنّ هناك أمراً عينيّاً باسم النسبة يقترب شيئاً فشيئاً ، أو يشتدّ يسيراً يسيراً وراء ما يتوفّر من الشروط ويرتفع من الموانع » تعليقة الشيخ مصباح اليزدي على نهاية الحكمة : ص 285 ، رقم ( 291 ) . وذكر صاحب الوعاية إشكالًا على وجود النسبة في الخارج ، حاصله : النسبة اعتبارٌ عقليّ ، ظرف عروضه هو الذهن وإنّما الخارج هو ظرف الاتّصاف . وأجاب صاحب الوعاية بقوله : « إن اعترفتم أنّ الخارج ظرف الاتّصاف بالنسبة ، فقد تمّ البرهان ؛ لأنّ معنى أنّ الخارج ظرفٌ للاتّصاف بالنسبة ، هو : أنّ الخارج ظرفٌ لثبوت النسبة لموصوفها الخارجي ، أي : إنّ الخارج ظرفٌ لوجودها الرابط ، فللنسبة وجود ما في الخارج ؛ لأنّ ثبوت شيءٍ لشيءٍ في الخارج فرع ثبوت نفس الثابت في الخارج . وببيانٍ آخر : لو لم يكن للنسبة أيّ ثبوتٍ في الخارج ، فكيف يمكن أن يكون الموجود الخارجي متّصفاً بها في الخارج ؟ وهل يمكن أن يتحقّق الاتّصاف في الخارج من دون أن يكون هناك وصفٌ يتّصف به ؟ وبعبارة ثالثة : الاتّصاف نفسه معنىً نسبيّ ، ففرض تحقّقه في الخارج يستدعي وجوديّ طرفيه فيه ، وأحد طرفيه نفس النسبة ، فهي موجودةٌ في الخارج وإن لم تكن مستقلّةً في الوجود . « فإن قلت : إنّه ربّما تعتبر النسبة بين موجودٍ ومعدوم ، كنسبة الأمس إلى اليوم ونسبة اليوم إلى الغد ، فعلى فرض وقوع النسبة في الخارج ، لا يقتضي ذلك وجوديّ طرفيها في زمان وقوعها . قلت : كلّا ؛ فإنّ النسبة متقوّمة الوجود بطرفيها ، والنسبة في المثالين المذكورين متقوّمةٌ بالطرفين الموجودين حين وجودها ، أمّا في نسبة الأمس إلى اليوم ، فلأنّ فعليّة الأمس منطوية في فعليّة اليوم - كما هو شأن الوجودات السيّالة - فلا يكون الأمس معدوماً مطلقاً حين وجوديّ النسبة ، وأمّا في نسبة اليوم إلى الغد فلأنّ وجوديّ الغد موجودٌ في الأمس بوجوده الضعيف ، كما في الحركة ، فلا يكون الغد معدوماً مطلقاً حين وجود النسبة » . وعاية الحكمة : ص 385 .